سيد قطب

3800

في ظلال القرآن

هذا الجزء كله - ومنه هذه السورة - ذو طابع غالب . . سوره مكية فيما عدا سورتي « البينة » و « النصر » وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر . والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة - على وجه التقريب - في موضوعها واتجاهها ، وإيقاعها ، وصورها وظلالها ، وأسلوبها العام . إنها طرقات متوالية على الحس . طرقات عنيفة قوية عالية . وصيحات . صيحات بنوّم غارقين في النوم ! نومهم ثقيل ! أو بسكارى مخمورين ثقل حسهم الخمار ! أو بلاهين في سامر راقصين في ضجة وتصدية ومكاء ! تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد : اصحوا . استيقظوا . انظروا . تلفتوا . تفكروا . تدبروا . . إن هنا لك إلها . وإن هنالك تدبيرا . وإن هنالك تقديرا . وإن هنالك ابتلاء . وإن هنالك تبعة . وإن هنالك حسابا . وإن هنالك جزاء . وإن هنالك عذابا شديدا . ونعيما كبيرا . . اصحوا . استيقظوا . انظروا . تلفتوا . تفكروا . تدبروا . . . وهكذا مرة أخرى . وثالثة ورابعة . وخامسة . . . وعاشرة . . . ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزا عنيفا . . وهم كأنما يفتحون أعينهم وينظرون في خمار مرة ، ثم يعودون لما كانوا فيه ! فتعود اليد القوية تهزهم هزا عنيفا ؛ ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد ؛ وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب . . وأحيانا يتيقظ النوام ليقولوا : في إصرار وعناد : لا . . ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء . . ثم يعودون لما كانوا فيه . فيعود إلى هزهم من جديد . هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء . وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد ، عظيمة القدر ، ثقيلة الوزن . وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب . وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس . وعلى أحداث معينة في يوم الفصل . وأرى تكرارها مع تنوعها . هذا التكرار الموحي بأمر وقصد ! وهكذا يحس القارئ وهو يقرأ : « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ . . . » . . « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ؟ . . . » . . « أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ؟ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ؟ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ؟ » . وهو يقرأ : « أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ؟ رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها . وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها . وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها . أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها . وَالْجِبالَ أَرْساها . مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » . . « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ؟ وَالْجِبالَ أَوْتاداً ؟ وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ؟ وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ؟ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ؟ وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ؟ وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ؟ وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ؟ وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ؟ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ؟ » . . . . « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا . فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ، وَحَدائِقَ غُلْباً ، وَفاكِهَةً وَأَبًّا . مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » . . وهو يقرأ « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ . ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ؟ » . . « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى . وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى . فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى » . . « لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ . فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ؟ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ؟ » . . وهو يقرأ : « إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ، وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ، وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ؟